فتح الزميل معن البياري الطريق أمامنا، لمراجعة ما قرأه رؤساء وقادة العالم من روايات وكتب، قبل أن يضعوا أقدامهم في قصور الرئاسة، أو بعد أن وضعوها، (المرزوقي وجيمس جويس وآخرون /العربي الجديد في 10-10-2014). وكنت، في زمن سابق، قد عكفت على تقصي ومتابعة ما قرأه بعض رؤساء وقادة، أثروا ويؤثرون في العالم، بشكل أو بآخر. وفي قصاصاتي، اكتشفت، اليوم، أن بارك أوباما، أحد أكثر الرؤساء الأميركيين المعاصرين اهتماماً بالقراءة، وقد وجد نفسه، في البداية، في رواية موبي ديك لهيرمان ملفيل التي تروي مغامرات بحار متجول على ظهر سفينة لصيد الحيتان، يهاجمها حوت كبير، يختار الكاتب له اسم "موبي ديك"، يحاول الصيادون التخلص منه دون جدوى، وفي النهاية، تغرق السفينة، بجميع ركابها وطاقمها، باستثناء البحار المتجول الذي ينجو من موت محقق، ليقف على الشاطئ مخاطباً الإنسان في أيما مكان "ليكن الحوت مثلك الأعلى، عش مثله وسط الثلوج، لكن ابق دمك ساخناً!". كان الحوت رمز القوة الأميركية الصاعدة آنذاك، بعدما استولت أميركا على أراض جديدة، وضمنت السيطرة على محيطين شاسعين.
لكن، كان أوباما يريد أميركا أخرى، خالية من التمييز العنصري الذي عانى منه. ولذلك، تخلى عن "الحوت"، ليجد نفسه لاحقاً في شخصية "الرجل الخفي" الأفرو- أميركاني الذي كتب عنه رالف أليسون، والذي سعى إلى أخذ مكانةٍ لائقة له، وسط مجتمع معقد، يعاني من التمييز، وقد اختفى في قبوٍ تحت الأرض. لم ينس أن يجهزه بمئات المصابيح، لكي يحقق قناعته عملياً في أنه يعيش دائماً، وسط النور الذي يعتبره حقيقته التي على المجتمع الاعتراف بها. استوحى أوباما هذه الشخصية في كتابه "أحلام أبي"، مع فارق أن أوباما كان أكثر تفاؤلاً، وممتلئا بالأمل.
وفي فترة إعداد نفسه، ليحقق حلمه في أن يقود العالم، اهتم بكتاب "قواعد الراديكالية" لمؤلفه عالم الاجتماع، ساول ألينسكي، الذي يوصف بأنه رد غير مباشر على كتاب "فن الحرب"، لصن تزو، وبأنه محاولة في تغيير العالم، وتحويله مما هو عليه إلى ما ينبغي أن يكون!
ولكي يعطي لنفسه دوراً في التغيير، ظهر بشخصية قوية، وهو يعارض الحرب على العراق، ويصفها بأنها "حرب مجنونة"، معبراً عن توجه تصالحي ومنفتح، يقوم على أساس السلام وإنهاء الحروب، لأن "القوة (العسكرية) تزداد عظمةً، كلما قل استخدامها"، لكنه حين يربح الرئاسة الثانية، وحيث لا تكون هناك رئاسة ثالثة، يبدو إنساناً هشاً وتائهاً، ولا يتردد، في حوار له مع صحيفة نيويورك تايمز، في أن يعتبر عالم اللاهوت الألماني –الأميركي، رينولد نيبور، صاحب نظرية "الحروب العادلة التي تهدف لتحقيق إرادة الله"، واحداً من المفكرين المفضلين لديه، وليجد نفسه، وهو أمام بوابة الخروج من البيت الأبيض، مقحماً في حرب قد تستمر ثلاثين سنة، أو تزيد!
هناك، أيضاً، الرئيس الفنزويلي الراحل، هوغو تشافيز، صاحب شعار "اقرأ كتاباً تصبح إنساناً جديداً"، والذي دعا مواطنيه لقراءة كتاب "دون كيشوت" لسرفانتس الذي قرأه في شبابه أكثر من مرة، كما قال، ووجد نفسه في شخصية الفارس الجوال الحالم بالمستقبل، والذي يسعى إلى نشر العدل بين الناس، ويقاتل طواحين الهواء ذات الأذرع الهائلة، باعتبارها مصدر الشر. مثله كان تشافيز، أيضاً، حالماً بالتغيير، يقاتل "امبراطورية الشر الأميركية"، ذات الأذرع الهائلة هي الأخرى، تملأه الثقة المطلقة بقدرته على هزيمة خصومه، وكما بحث دون كيشوت في أواخر أيامه عن وسيلة روحيةٍ، تنير له الطريق، فإن تشافيز، أيضاً، بحث، في أواخر أيامه، بعد أن استبد به المرض العضال عن مسيحٍ، ينير له طريقه، لكن الموت هزمه هو الآخر، ليترك وراءه جيلاً من الفرسان والحالمين.
لا ننسى وقفته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، ملوحاً بكتاب "الهيمنة أو النجاة" لنعوم تشومسكي، طالباً من زعماء العالم قراءته، لأنه "يساعدنا على فهم ماذا حدث في العالم خلال القرن العشرين، وما يحدث الآن"، قلب في صفحات الكتاب، ليقول لهم إنه "يفضح الهيمنة الأميركية".
مرة أخرى، استخدم تشافيز ما كان قرأه، لعقد صلة بينه وبين خصمه اللدود، بارك أوباما، ففي قمة الدول الأميركية عام 2010 قدم تشافيز إلى أوباما نسخة من كتاب "الشرايين المفتوحة لأميركا اللاتينية"، للمفكر الأورغواياني إدواردو غاليانو، طالباً منه قراءته، وأغلب الظن أن أوباما لم يجد متسعاً من وقته لقراءة الكتاب - الهدية، أو ربما لمعرفته أن الكتاب يتضمن "شتيمة" لأميركا، يكتب غاليانو "أميركا اللاتينية ضحية نهب واستغلال أوروبا والولايات المتحدة، حيث سعى الأوربيون والأميركيون إلى إبقائها دائمة الفقر والفاقة، وعملوا على محو سكانها الأصليين، أغرقوها في دورات متتابعة من الديون... مذابح الهنود بدأت مع كولومبس، ولم تتوقف... أرضها الخصبة والغنية بالمعادن تحولت إلى ملكية للشركات الرأسمالية، من دون حساب للسكان الأصليين أصحاب الثروة... يكدح المواطن اللاتيني، ليل نهار فقط، لكي يعطيه سادته ما يسد رمقه ورمق أطفاله..."
هكذا يقرأ قادة وزعماء العالم، ليكتشفوا الحياة ويتعلموا فن الحكم، فيما حكام عرب لم يتعلموا القراءة بعد، وهذا سر بقائنا على مسافة سنوات ضوئيةٍ من الحياة التي نريد.

تعليقات
إرسال تعليق