سقوط أسطورة "3 يوليو"

خليل العناني
3 يونيو 2014
لم ينافس الانتخابات الرئاسية المصرية، في عبثها وهزلها، سوى انتخابات بشار الأسد التي أجري شيء منها الأسبوع الماضي، فمشاهد اللجان الخاوية على عروشها في مراكز الاقتراع المصرية لم يكن أقل صدمة من مشاهد الطوابير التي ذهبت لانتخاب بشار الأسد في بيروت، بعد قتل مئات الآلاف وتهجير ملايين السوريين الأبرياء.

وبغض النظر عن مفارقات المقارنة ودلالاتها، فإن الانتخابات المصرية كانت لحظة كاشفة للمسار السياسي الذي تم تدشينه، عقب انقلاب الثالث من يوليو 2013. حيث بعث مشهد "الفراغ الانتخابي" في مصر رسالة مهمة وقوية بشأن المآلات التي وصلت إليها أسطورة "3 يوليو"، وبطلها الوهمي عبد الفتاح السيسي، فلم يكن لأحد أن يتوقع أن تسقط هذه الأسطورة بهذه السرعة، على الرغم من حجم الأموال والدعاية السياسية وحملات التعبئة والحشد، والضغط من أجل الذهاب إلى صناديق الاقتراع، والتي ساهمت فيها كل مؤسسات الدولة وإعلامها وحلفائها ورجال الدين والحركات الصوفية وحزب النور السلفي. انكشف الجميع، ويبدو أننا سنشهد حلقات أخرى جديدة لهذا الانكشاف والتخبط، بعد أن يتم تنصيب السيسي رسميا.

وبوجه عام، يمكن رصد ملاحظات أولية عدة حول هذا المشهد التاريخي:
أولا، بدا العزوف الانتخابي كما لو كان أشبه بحالة "عصيان مدني" شامل ضد الحكم العسكري وممارساته طيلة الشهور الماضية. وكان ذلك رداً بليغاً بأن "الصمت" لا يعني مطلقا الموافقة على ما يجري، بقدر ما يعني يأساً وفقداناً للثقة في مسار 3 يوليو برمته، على عكس ما يروج بعضهم.
ثانيا، على عكس المأمول، فبدلاً من أن تصبح الانتخابات مصدراً وصكاً لشرعنة الانقلاب، وترسيم قائده رئيساً، فقد أصبحت بمثابة شهادة وفاة له، ولأسطورته التي جرى صنعها وترويجها، والنفخ فيها طيلة الأشهر العشرة الماضية. دعك من الأرقام المزيفة التي أطلقوها عن نسبة المشاركة والتأييد، فهي امتداد لأساطيرهم التي صنعوها وروّجوها، فهل نصدقهم، ونكذّب أعيننا؟


ثالثا، كشفت حفلات العويل والصراخ التي مارسها إعلاميو 3 يوليو، واستخدموا فيها كل مفردات التدني والابتزاز السياسي للناخبين، حجم الفشل الذي مُني به تحالف 3 يوليو وإعلامه، بعد عزوف الناخبين. وهو الإعلام نفسه الذي انقلب على نفسه في اليوم الأخير للانتخابات، وحاول ترويج عكس كل ما قاله في اليوم الأول. ومهما حاول هذا الإعلام التعمية والتغطية على فضيحة الانتخابات، فلن ينجح، فقد سبق السيف العذل، وسقطت الأسطورة أمام مشهد اللجان الفارغة.

رابعا، لم تكن مقاطعة الانتخابات مجرد رسالة إلى الدولة العميقة، وأجهزتها وإعلامها فقط، وإنما أيضاً رسالة للقوى السياسية المعارضة للانقلاب، والتي لا تزال غارقة في المراهقة السياسية، ومشغولة بخلافاتها وصراعاتها أكثر من انشغالها بمواجهة قوى الثورة المضادة. فالمقاطعون أصبحوا الكتلة الأكبر في مصر الآن، وهم بمثابة رأسمال سياسي واجتماعي ورمزي، ينتظر من يلتقطه، ويوظفه من أجل التصدي للثورة المضادة، ووقف اختطافها وتشويهها ثورة يناير.

خامسا، كتلة الساخطين الذين أبطلوا أصواتهم تبدو، أيضاً، ذات دلالات مهمة، خصوصاً بعدما حصلت على المركز الثاني حتى الآن، وهي كتلة ليست قليلة، ومهما قيل عن هوية هذه الكتلة وطبيعتها، وانتمائها السياسي والأيديولوجي، فإنها تبدو واعية لما فعلت، وبعثت رسالة قوية، مفادها أن ثمة رماداً تحت النار، وأنها قد تصبح رأس الحربة في أي انفجار سياسي قادم، قد يدعمها في ذلك كتلة المقاطعين.

سادساً، بدا بوضوح أن السيسي يقف عارياً أمام الجمهور، وأنه لا يتمتع بحجم القوة والنفوذ الذي حاول إعلام 3 يوليو تصويره بها، فالرجل دخل الانتخابات محملاً بغرور وصلف واضحين، انعكسا على سلوكه وحواراته ولقاءاته الإعلامية التي سبقت الاقتراع، وأغلب الظن أن الرجل بدأ يدرك أنه تم توريطه، والتلاعب به من قوى أخرى، تقف خلف الستار سوف تتكشف خيوطها في الأسابيع والشهور المقبلة.

سابعاً، أسقطت الانتخابات أسطورة أخرى، صنعها بعض النشطاء السياسيين والمثقفين الرومانسيين، وهي أسطورة حمدين صباحي، باعتباره الزعيم الجديد للمعارضة المدنية. لن أخوض في تقييم تجربة حمدين الفاشلة الآن. ولكن، أشير فقط إلى أن هذا الرجل سقط سياسيا وأخلاقياً، قبل أن يبدأ السباق الانتخابي، ليس فقط لأنه جزء أصيل من مسار 3 يوليو، بكل جرائمه وكوارثه، وإنما، بالأساس، لأنه ارتضى أن يكون جزءاً من المسرحية الوهمية للانتخابات، وهو يعلم جيداً أنه سيخسرها حتما، ما يعكس أحد أمرين، إما أنه لا يفهم معنى السياسة وتكتيكاتها، أو أنه تعمد أن يكون جزءا من هذه المسرحية، لأسباب أخرى لا نعلمها، وربما تتكشف لاحقاً.

ثامناً، كشفت الانتخابات أن معسكر الثورة المضادة ليس بالقوة والتماسك التي تخيلناها طيلة الشهور الماضية، ويبدو أن الخلافات والانقسامات داخله أكبر بكثير من المصالح المشتركة، ما يعني أن فرص بقاء هذا المعسكر على تماسكه تبدو ضعيفة، وهو ما ستكشفه الأسابيع المقبلة.

وأخيراً، فإن سقوط أسطورة 3 يوليو قد تمثل البداية لسقوط نظامها، إذا ما أحسنت القوى الحية استغلال حالة الارتباك الراهنة، وأعادت تنظيم صفوفها، ونبذ خلافاتها بصدق وجدية.

تعليقات