سمير حمدي
12 ديسمبر
2014
عندما صدر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عن الجمعية العامة للأمم
المتحدة في 10 ديسمبر/كانون الأول 1948، كان واضحاً اهتمامه بتكريس
المنظومة الحقوقية، وجعلها الأساس الذي تنطلق منه الممارسة السياسية
للمنظمة الأممية، وقد تكرس هذا التوجه في سعي الأمم المتحدة إلى تصفية
مخلفات الاستعمار، غير أن المتابع للمسار الفعلي لنشاط المنظمة الأممية، أو
الهيئات التابعة لها، يلاحظ أن مجمل التشريعات الأممية التي تضمن حقوق
الإنسان تهمل، بقصد أو بغير قصد، تنزيل هذه الحقوق ضمن الواقع اليومي، بحيث
تظل في مستوى التنظير لا غير، وهو أمر يمكن استنتاجه من مواقف الأمم
المتحدة من قضايا كبرى، تتعلق بتدخل دول كبرى في شؤون الدول الأقل قوة، أو
في موقفها من الاحتلال الصهيوني.
تنطلق المنظومة الحقوقية، في جذورها الأولى، من تصور عام، يفصل بين
الإنسان والمواطن، وهو موقف كان قد انتقده ماركس عند مقاربته المنظومة
الحقوقية الليبرالية، حيث رأى أنها تعبر عن الإنسان، بما هو "الإنسان
الأناني، الإنسان المنفصل عن الإنسان وعن المجموعة"، وتؤكد حنة آرنت هذا
التصور بقولها "أدى الإعلان عن الحقوق الإنسانية الثابتة من أول أمره إلى
مفارقة، إذ إن مرجعه كائن بشري مجرد يبدو أن لا وجود له في أي مكان"،
فعندما يرد في المادة الثانية من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان "لكل إنسان
حق التمتع بكافة الحقوق والحريات الواردة في هذا الإعلان ... من دون أي
تمييز، أساسه الوضع السياسي أو القانوني أو الدولي للبلد أو البقعة التي
ينتمي إليها الفرد، سواء كان هذا البلد أو تلك البقعة مستقلاً، أو تحت
الوصاية، أو غير متمتع بالحكم الذاتي، أو كانت سيادته خاضعة لأي قيد من
القيود"، فإن السؤال الذي يفرض نفسه، كيف يمكن ضمان حقوق الإنسان في ظل
الاحتلال، أو في بلد يعاني الوصاية الأجنبية؟ بل إن المنظمة الأممية وجدت
نفسها تبرر لممارسات دول استعمارية، تقترف أشد الجرائم، وأكثرها قسوة، ضد
شعوب تعاني الهيمنة، وهو أمر تجلى خصوصاً في موقف الأمين العام للأمم
المتحدة من العدوان الصهيوني المتكرر على قطاع غزة، عندما تعامل مع
الطرفين، الجلاد والضحية، على قدم المساواة، بل ووصل به الأمر إلى حد تجريم
بعض ممارسات المقاومة، من دون أن ننسى المفارقة الكبرى، وهي فوز دولة
استعمارية كبرى، مثل الكيان الصهيوني، بمنصب نائب رئيس اللجنة الرابعة في
الجمعية العامة للأمم المتحدة المعنية بمناهضة الاستعمار وتصفيته، بينما هي
تمثل التعبير الأقصى عن أشد أشكال الاحتلال الاستيطاني الإحلالي الذي يقوم
بتهجير السكان الأصليين، وتصفيتهم بصورة منهجية.
يكمن التناقض الأكبر، هنا، في أمرين أساسيين: أولهما أنه لا يمكن أن
نتحدث عن منظومة حقوقية قائمة في بلد ما، إلا إذا كان متمتعاً باستقلاله
الوطني، أولاً وأساساً "ويبدو أن لا سبيل إلى ضمان حماية الناس، إلا بسيادة
الشعب الذي ينتمون إليه، سيادة متحررة من كل القيود الخارجية"، كما تقول
حنة آرندت، فالاقتران بين ضمان حقوق الإنسان ومسألة التحرر الوطني يعسر
فكه، فجرائم الحرب، مثلاً، كالتي يقترفها الكيان الصهيوني ضد الشعب
الفلسطيني، أو مثل التي اقترفها الاستعمار الأوروبي ضد الشعوب الآسيوية
والإفريقية، هي أكبر انتهاك لحقوق الإنسان، بل إن الاحتلال، في ذاته، لا
يمكن أن يكون غير جريمة ضد الإنسانية، لأنه لا يمكن لشعب غير حر أن يمنح
الحرية لأفراده.
ثانياً: تقتضي المنظومة الحقوقية، بالإضافة إلى استقلال القرار الوطني،
وجود نمط من السيادة الشعبية، حيث يستطيع الشعب أن يختار حكامه، وأن يشرع
بواسطة نوابه القوانين المناسبة التي تضمن حقوقه الأساسية، فلا يمكن أن
نتحدث عن حقوق إنسان، في ظل شعوب يضطهدها مستبدون من أهل البلاد، أو من
الأجانب. وهنا، تأتي ازدواجية المعايير في تطبيق المنظومات الحقوقية، حيث
تكتفي منظمات بالتنديد ببعض جرائم الاستبداد، متغاضية عن أكبر عامل مهدد
للحقوق والحريات، ونعني به أنظمة الاستبداد نفسها، وهو أمر نشهده كل يوم،
ويمكن ملاحظته في موقف الاتحاد الأوروبي، مثلاً، من الانقلاب العسكري
المصري الذي أطاح تجربة ديمقراطية، كان بإمكانها ضمان الأدنى من الحريات
على الأقل.
تعاملت المنظمة الأممية والهيئات الإنسانية مع حقوق الإنسان، بوصفها
ثابتة، باعتبارها مستقلة عن كل أشكال الحكم (ما عبر عنه الإعلان العالمي عن
حقوق الإنسان بتأكيده التمتع بما ورد فيه، مهما كانت الوضعية السياسية
والقانونية للبلد الذي ينتمي إليه الإنسان)، وهو تصور يمكن وصفه بالوهم،
ذلك أن البنية الحقوقية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالوضع السياسي (طبيعة نظام
الحكم) والوضع القانوني (مدى استقلالية البلاد)، فلا يمكن الحديث عن حقوق
الإنسان بإطلاقيتها، بل بارتباطها بجملة شروط موضوعية، لا يمكن تجاوزها إلى
الحد الذي يمكن معه القول إن هناك تماهياً تاماً بين حقوق الإنسان وحقوق
الشعوب، بحيث يمكن التسليم مع حنة آرندت في قولها "إن الشعب، لا الفرد، هو
صورة الإنسان"، فحالة الازدواج من حيث الممارسة، وفي المواقف التي نشهدها
على المستوى الدولي، إنما تكمن في محاولة تغييب حقوق الشعوب، وتبرير حالات
استعمارية إجرامية، بمنطق الوصاية، أو الصمت على ما تقترفه أنظمة استبدادية
مظلمة، بحق شعوبها، بذريعة أن الحق الإنساني يتعلق بمنظومة فردية، بحيث لا
تتجاوز المواقف مجرد التنديد بانتهاكاتٍ، هنا أو هناك. ومن دون أن يعني
هذا التحليل إنكاراً لأهمية المنظمات الحقوقية، أو غمطاً لدورها، فقد مثلت،
في أحايين كثيرة، قوة ضغط مهمة، تحقق من خلالها إنصاف مظلومين ومضطهدين
عديدين، وما أكثرهم في هذا العالم.

تعليقات
إرسال تعليق