تطوي الحملة الانتخابية في تونس أسبوعها الأول رتيبة مملة، فلم تفلح، إلى الآن، في أن تكون، عل الأقل، الحدث الأبرز. وعجزت عن أن تكون إيقاعاً لحياة التونسيين، ولو إلى حين.
يجد مختلف المترشحين، أحزاباً وقوائم مستقلة، عناءً في استنباط أشكال التعبئة، للفت الأنظار إليهم، وإدارة الرقاب لمهرجاناتهم واجتماعاتهم، وهذا أمر غدا عسير المنال. في حالة الملل السياسي الذي تعيشه قطاعاتٌ، ربما واسعة من التونسيين، وقد تكون أماراته الدالة العزوف عن التسجيل الإرادي الذي أجبر الهيئة العليا المستقلة للانتخابات على تمديد آجال التسجيل، أكثر من مرة، تبدو المباراة إما بدون جمهور أو فاقدة للحماسة. على المدارج، يصنع الجمهور الحدث الرياضي أكثر من اللاعبين، وهذا ما يعرفه عشاق الكرة والمتيمون بها. يخيل للمشاهدين أن أرجل اللاعبين مكبلة، وعقولهم في مكان آخر.
ما زالت اهتمامات التونسيين مشتتة، مشدودة إلى تفاصيل حياتهم العادية: بقايا معايدات متأخرة وعودة مدرسية غير مكتملة وديون تثقلهم كاهلهم. ولكن، قد يكون لفائض التسييس الذي ألقى بشعب كامل إلى "الأكاديميات" السياسية الشعبية، حيث كثيراً ما يدرسون، قليلاً ما يتعلمون، بعض الآثار العكسية. حدث ضرب من التسييس، مناهض للسياسة، لدى أوساط عديدة، لا شك أن الأمر كان مدروساً يشبه، إلى حد كبير، حملة شرسة لنزع السلاح.
فور إسقاط النظام، عاش التونسيون، مدة أشهر، حالة من الولع بالسياسة، غير مسبوقة، وتواصل الأمر ما يناهز سنة، ولكن الصراع السياسي الحاد بين النخب وإخفاقات الحكم وضعف الدولة وتصاعد الإرهاب كانت من جملة العوامل التي غذّت، فيما بعد، هذا الملل من السياسة. ولكن، علينا أن نضيف إلى ذلك عوامل مستجدة، فرضتها التطورات التي تلاحقت في أقل من نصف سنة. عودة رموز النظام القديم، وإطلاق سراح جل المتورطين في قضايا التعذيب، كان آخرها عودة متبجحة لرموز إعلامية، كانت، أكثر من عقدين، أبواقاً فاسدة للنظام. "لا خوف بعد اليوم"، تلك العبارة الشهيرة التي أطلقها الخيال السياسي للثائرين، لم تعد شعور عديد التونسيين. حالات التعذيب والوفيات المسترابة في أثناء الاعتقال تؤكد ذلك الإحساس.
يشعر التونسيون بعدم الاطمئنان والثقة تجاه مستقبلهم السياسي، وقد يكونون عرضة للمساءلة يوماً ما، نتيجة ما يتخذون من مواقف. شبكات الوشاية والتلصص بدأت تشتغل، حالما استعاد النظام القديم من خلال مختلف أحزابه ما يعرفه التونسيون بماكينة النظام القديم. سجلت حالات تحرش عديدة بالمناضلين والمواطنين، تتوعدهم بدفع الثمن غالياً في مقبل الأيام.
يجد مختلف المترشحين، أحزاباً وقوائم مستقلة، عناءً في استنباط أشكال التعبئة، للفت الأنظار إليهم، وإدارة الرقاب لمهرجاناتهم واجتماعاتهم، وهذا أمر غدا عسير المنال. في حالة الملل السياسي الذي تعيشه قطاعاتٌ، ربما واسعة من التونسيين، وقد تكون أماراته الدالة العزوف عن التسجيل الإرادي الذي أجبر الهيئة العليا المستقلة للانتخابات على تمديد آجال التسجيل، أكثر من مرة، تبدو المباراة إما بدون جمهور أو فاقدة للحماسة. على المدارج، يصنع الجمهور الحدث الرياضي أكثر من اللاعبين، وهذا ما يعرفه عشاق الكرة والمتيمون بها. يخيل للمشاهدين أن أرجل اللاعبين مكبلة، وعقولهم في مكان آخر.
ما زالت اهتمامات التونسيين مشتتة، مشدودة إلى تفاصيل حياتهم العادية: بقايا معايدات متأخرة وعودة مدرسية غير مكتملة وديون تثقلهم كاهلهم. ولكن، قد يكون لفائض التسييس الذي ألقى بشعب كامل إلى "الأكاديميات" السياسية الشعبية، حيث كثيراً ما يدرسون، قليلاً ما يتعلمون، بعض الآثار العكسية. حدث ضرب من التسييس، مناهض للسياسة، لدى أوساط عديدة، لا شك أن الأمر كان مدروساً يشبه، إلى حد كبير، حملة شرسة لنزع السلاح.
فور إسقاط النظام، عاش التونسيون، مدة أشهر، حالة من الولع بالسياسة، غير مسبوقة، وتواصل الأمر ما يناهز سنة، ولكن الصراع السياسي الحاد بين النخب وإخفاقات الحكم وضعف الدولة وتصاعد الإرهاب كانت من جملة العوامل التي غذّت، فيما بعد، هذا الملل من السياسة. ولكن، علينا أن نضيف إلى ذلك عوامل مستجدة، فرضتها التطورات التي تلاحقت في أقل من نصف سنة. عودة رموز النظام القديم، وإطلاق سراح جل المتورطين في قضايا التعذيب، كان آخرها عودة متبجحة لرموز إعلامية، كانت، أكثر من عقدين، أبواقاً فاسدة للنظام. "لا خوف بعد اليوم"، تلك العبارة الشهيرة التي أطلقها الخيال السياسي للثائرين، لم تعد شعور عديد التونسيين. حالات التعذيب والوفيات المسترابة في أثناء الاعتقال تؤكد ذلك الإحساس.
يشعر التونسيون بعدم الاطمئنان والثقة تجاه مستقبلهم السياسي، وقد يكونون عرضة للمساءلة يوماً ما، نتيجة ما يتخذون من مواقف. شبكات الوشاية والتلصص بدأت تشتغل، حالما استعاد النظام القديم من خلال مختلف أحزابه ما يعرفه التونسيون بماكينة النظام القديم. سجلت حالات تحرش عديدة بالمناضلين والمواطنين، تتوعدهم بدفع الثمن غالياً في مقبل الأيام.
في مثل هذا الأجواء، انحصرت التعبئة الانتخابية في إنتاج الوعود الانتخابية، وتعيير من حكموا بما ارتكبوا من أخطاء. وبقدر ما بدأت الأخطاء آثاماً وخطايا، فإن الوعود، على خلاف ذلك، بدت نحيلة من فرط واقعيتها. كان درس السنوات الثلاث من الحكم الذي يبدو أن الجميع استوعبه هو التواضع والخوف من التورط في بيع الوهم. ارتطام الذين جربوا الحكم برخام الواقع جعلهم حذرين، ولم يسلم القادمون الجدد والطامحون إلى تعويضهم من تلك الواقعية المفرطة. ربما ضمرت انتظارات التونسيين، وشابت أحلامهم قبل الأوان. أما الخطاب الإيديولوجي، فقد بدا، بدوره، مخاتلًا لا يمتح لدى متنافسين عديدين من متونه النظرية المفترضة في مثل هذه الحالات. حالة التعويم الإيديولوجي جعلت خطاب المترشحين هذا فاقداً للجرأة والتمايز. يجد المواطن عسراً في تبين الفوارق التي يفترض أن يشد انتباهه، فتمر الخطابات الانتخابية باهتة، ولولا مفردات الإدانة وكيل التهم التي تنفلت وتتكشف، وحجم الحقد الدفين الذي يسكننا، لما أمكن أن نميز بين المرشحين. وحدها تلك المفردات ظلت دالة عل تلك الخيمات المنتصبة في هذا السوق الانتخابي.
في مثل هذا الوضع، تشهد الحملة بواراً انتخابياً. العارضون في السوق كثر، لا تستطيع حصرهم. شركات محترفة وهواة ومغامرون ودخلاء كثيرون ينتصبون في سوق مفتوحة على السماء من جهة والبراري من جهة ثانية. ولكن، تشابهت على الناخب بضاعتهم. لا شك أن الأمر قد فاقمته أزمة التخيل التي طالت حتى الفرق الانتخابية المحترفة. التسويق الانتخابي الذي عمد إليه بعضهم، بدوره، كان، إلى حد الآن، مخيباً للآمال: استعراضاً انتخابياً بقوافل السيارات والسيارات وفرق النحاسية، وحتى الراقصات البدينات.
ماكينة الشيء المعتاد مازالت تلوك الوجبة الانتخابية نفسها التي قدمت للمواطنين منذ نحو سنتين. انحصرت الحملة لدى اليسار والعائلة التجمعية والدستورية التي حكمت البلاد أكثر من ستة عقود في حصر المصائب التي مرت بها البلاد، في ما ارتكبت حركة النهضة وحلفاؤها من أخطاء، فكأن تونس استقلت لتوها. شيطنة الترويكا استراتيجية انتخابية قد تحير المواجع الحية في استنفار الذاكرة الراهنة والحالية للمواطنين، التركيز على الإرهاب واستثمار النبش في التاريخ الراهن من شأنه أن يغيب النظام القديم، ويحصره الهجوم على الخصم الماثل في المشهد الانتخابي الحالي.
إثارة جرائم النظام يعدها بعضهم تشتيتاً للحملة. هذه الاستراتيجية لا تخفي أن خصمها، أو عدوّها الرئيسي الحالي، هم الإسلاميون ومن تحالف معهم، أما النظام القديم فبينه وبينهم قواسم مشتركة، أقلها ما يحنطه بعضهم حرزاً قائماً على هلامية النموذج المجتمعي التونسي.
ويعلم المختصون في الإنسانيات والاجتماعيات أن المجتمع إنتاج وإعادة إنتاج مستمرة، خاضعة لرهانات واستراتيجيات الفاعلين الاجتماعيين المفتوحة على حقلٍ متناضد من القدرات والمواقع. وشائج القربى بين النظام وبعض اليساريين هي أخوة الرضاعة التي يفرضها اقتصاد الحرب، أحياناً.
في هذا المشهد، ينسحب البوعزيزي، تدريجياً، حين لم يذكره أحد، وتعوضه أسماء أخرى، ذات مردودية انتخابية أرفع. يختفي شباب سيدي بوزيد والقصرين والحامة وغيرها من بلاتوهات التلفزة، ليحضر بأكثر كثافة وجرأة، رموز النظام السابق من سياسيين وإعلاميين. "الثورة" و"تمجيد الشهداء" و"الشعب يريد" و"ارحل" كلها مفردات غدت من دفاتر الماضي. مفردات كاسدة في هذه الحملة الانتخابية، لكنها بضاعة رابحة للنظام القديم. هل هرمنا لمثل هذه اللحظة التاريخية.
في مثل هذا الوضع، تشهد الحملة بواراً انتخابياً. العارضون في السوق كثر، لا تستطيع حصرهم. شركات محترفة وهواة ومغامرون ودخلاء كثيرون ينتصبون في سوق مفتوحة على السماء من جهة والبراري من جهة ثانية. ولكن، تشابهت على الناخب بضاعتهم. لا شك أن الأمر قد فاقمته أزمة التخيل التي طالت حتى الفرق الانتخابية المحترفة. التسويق الانتخابي الذي عمد إليه بعضهم، بدوره، كان، إلى حد الآن، مخيباً للآمال: استعراضاً انتخابياً بقوافل السيارات والسيارات وفرق النحاسية، وحتى الراقصات البدينات.
ماكينة الشيء المعتاد مازالت تلوك الوجبة الانتخابية نفسها التي قدمت للمواطنين منذ نحو سنتين. انحصرت الحملة لدى اليسار والعائلة التجمعية والدستورية التي حكمت البلاد أكثر من ستة عقود في حصر المصائب التي مرت بها البلاد، في ما ارتكبت حركة النهضة وحلفاؤها من أخطاء، فكأن تونس استقلت لتوها. شيطنة الترويكا استراتيجية انتخابية قد تحير المواجع الحية في استنفار الذاكرة الراهنة والحالية للمواطنين، التركيز على الإرهاب واستثمار النبش في التاريخ الراهن من شأنه أن يغيب النظام القديم، ويحصره الهجوم على الخصم الماثل في المشهد الانتخابي الحالي.
إثارة جرائم النظام يعدها بعضهم تشتيتاً للحملة. هذه الاستراتيجية لا تخفي أن خصمها، أو عدوّها الرئيسي الحالي، هم الإسلاميون ومن تحالف معهم، أما النظام القديم فبينه وبينهم قواسم مشتركة، أقلها ما يحنطه بعضهم حرزاً قائماً على هلامية النموذج المجتمعي التونسي.
ويعلم المختصون في الإنسانيات والاجتماعيات أن المجتمع إنتاج وإعادة إنتاج مستمرة، خاضعة لرهانات واستراتيجيات الفاعلين الاجتماعيين المفتوحة على حقلٍ متناضد من القدرات والمواقع. وشائج القربى بين النظام وبعض اليساريين هي أخوة الرضاعة التي يفرضها اقتصاد الحرب، أحياناً.
في هذا المشهد، ينسحب البوعزيزي، تدريجياً، حين لم يذكره أحد، وتعوضه أسماء أخرى، ذات مردودية انتخابية أرفع. يختفي شباب سيدي بوزيد والقصرين والحامة وغيرها من بلاتوهات التلفزة، ليحضر بأكثر كثافة وجرأة، رموز النظام السابق من سياسيين وإعلاميين. "الثورة" و"تمجيد الشهداء" و"الشعب يريد" و"ارحل" كلها مفردات غدت من دفاتر الماضي. مفردات كاسدة في هذه الحملة الانتخابية، لكنها بضاعة رابحة للنظام القديم. هل هرمنا لمثل هذه اللحظة التاريخية.

تعليقات
إرسال تعليق