شوقي بن حسن (تونس)
9 سبتمبر
2014
قطع المسافات من القومية إلى الاشتراكية. طوّع الانتماءات، وطوّعته من
ميول بعثية إلى رئاسة الهيئة العليا للحزب الجمهوري حالياً، مروراً بصنع
التكتلات، ثم فكّ الارتباط مع حلفاء الأمس، ليدخل في حساباتٍ جديدة،
تماشياً مع مقتضيات المرحلة. وكان أحمد نجيب الشابي قد تحالف مع
الإسلاميين، ثم لمّا صعدوا إلى كراسي الحكم، ظل جالساً في مقعد المُعارض.
وبعد أن كان رقماً أساسياً في أي معادلة سياسية في تونس، يجد الشابي نفسه،
اليوم، في ظل كبار اللعبة السياسية، وكانوا، في أمس قريب، كواكب تدور في
فلكه. فهل ستعيده انتخابات خريف 2014 إلى الصفوف الأمامية، أم ستعقّد أكثر
مستقبله السياسي؟
تكاد الانتماءات في عقل أحمد نجيب الشابي تشبه الانقلابات. انتمى،
أولاً، في بداية الستينيات إلى التيار القومي من منطلق الجوّ الأسري بتقارب
مع الفكر البعثي، مقابل انتماءات أبيه اليوسفية (نسبة إلى صالح بن يوسف).
ثم دفعته نكسة 1967 لكي يميل نحو اليسار، في وسط موجة فكرية عربيةٍ، كان
للهزيمة وقع الصدمة عليها، إذ استنزفتها القومية والشعارات فارتدوا يبحثون
عن البدائل في أي فكر آخر.
أبدى ميولاً تجاه الماوية في مناخ عالمي، تغذيه رياح الحرب الفيتنامية،
واغتيال تشي غيفارا والثورة الثقافية في الصين، وكذلك أحداث مايو/أيار 1968
في فرنسا، وكان الشابي من قياديي موجة عدواها في الجامعة التونسية.
حين لجأ بعد ذلك إلى فرنسا في بداية السبعينيات، بعد تضييقات أمنية،
لامس أقصى اليسار حين انتمى لحركة "آفاق" التونسية، والتي تقول عنها
الكاتبة هالة الباجي: "إنها تعبير جيل عن خيبة الأمل الوطنية". فتحت له
العلاقات الماركسية بواباتٍ للمرور من ردهات التروتسكية، الاشتراكية،
التقدمية، من دون أن يتوه عن الخلفية القومية.
في كل مرة، سرعان ما يتبدّى له أن الانتماء الذي اختاره يفضي إلى طرقٍ
مسدودة، لو طبّقت على واقع تونس. وبعد تنقلاتٍ داخل اليسار، رسا على شبه
استقرارٍ في إطار ما سمي الاشتراكية التقدمية، وهي تبدو صيغة فضفاضة، لجمع
شتات اليسار.
عموماً، في فرنسا السبعينيات، تكوّنت النخبة اليسارية التونسية. كانوا،
وقتها، طلبة ومثقفين وفنانين، أوصلتهم المطاردات، أو محدودية الأفق في
تونس، إلى بحث عن أي مخرج ممكن، ووجدوا في اليسار الصاعد في فرنسا بديلاً،
تصوروا أنه صالح للزراعة في واقع تونس الثقافي أو السياسي. حين أقدموا على
هذه الخطوة، لفظتهم الهجمة الأمنية للنظام البورقيبي، قبل أن يستوعبهم خطاب
زين العابدين بن علي الذي كان صاعداً إلى أعلى هرم السلطة.
عند هذه النقطة، يتحول مسار نجيب الشابي إلى شبكة من التحالفات. وبفضل
مراوحات فكرية موسعة، عرفها في شبابه، كانت مساحة تحركاته الأكثر اتساعاً
في تونس، ومن خصائصها أنه يذهب في مراحل معينة إلى حد الاختلاط بنقيضه.
نراه راضياً على التجمع الدستوري الديمقراطي (الحزب الحاكم) في 1987 وهو
الحزب الذي يقع أيديولوجياً في النصف النقيض من خارطة القناعات السياسية.
تحالف مع الإسلاميين في الثمانينيات، وفي 2005، وهم يحملون أطروحات أبعد ما
تكون عنه، برزت حدة تناقضاتها بعد سقوط بن علي في 2011. بالنسبة له، كان
ذلك في إطار التعامل مع الممكن، فحقيقة اللحظة أسبق لديه من حقيقة
الانتماء.
في المجمل، لا يعدّ التذبذب والتغيّر الذي وسم مسيرة أحمد نجيب الشابي
مستغرباً، لأنه، ببساطة، ظاهرة سياسية تونسية، فقد كانت حركة "آفاق" تجمع
ميولاً متداخلة من أقصى اليسار إلى اليسار القريب من الوسط، وتحتضن في
عناصرها قوميين أيضاً. وحتى الحزب الحاكم، كان يغيّر انتماءاته الفكرية
وخلفيّاته وأيديولوجياته وتسمياته من عشرية إلى أخرى. إنها حالة قلق جماعي
للنخبة السياسية التونسية.
قصة السنة الأولى من الثورة هي قصة تبديد الرصيد النضالي الكبير لأحمد
نجيب الشابي، والذي لا ينكره عليه أحد حتى خصوم اليوم. وأوقعه هذا الرصيد
في خطأ تقديري، عندما رفض الدخول في تحالفات حزبية في انتخابات
أكتوبر/تشرين الثاني 2011، وظنّ أن حزبه قادر على استقطاب الناس، من دون
حاجة إلى تحالفات. بعدها، ومن دون أن يرى توجهات حزب النهضة والأحزاب
الفائزة، أعلن أنه سيأخذ دور المعارضة، ليجد نفسه في موقع مغلفٍ بالضبابية،
وخصوصاً بالتفريط في كثير من القاعدة الشعبية. من جهة أخرى، شكل حضوره
الإعلامي المكثف، في السنة الأولى من الثورة، استنزافاً لصورته، حيث وصل
إلى أكتوبر/تشرين الأول2011 وجهاً مستهلكاً.
إن قامة سياسية، بحكم التاريخ النضالي والانغراس في المشهد السياسي منذ
الستينيات، تجد نفسها، اليوم، بمناسبة انتخابات 2014 على هامش اللعبة. ما
حصل يبدو معقولاً بناء على ما ذكرناه، غير أن السياسيين لا يعترفون بقدَرٍ
محدّد مسبقا.

تعليقات
إرسال تعليق