أسئلة انتخابات تونس

سامر خير أحمد
28 ديسمبر 2014
أليس طريفاً أن ختام العام 2014 شهد انتخاباً ديمقراطياً لرئيس في الثامنة والثمانين من عمره، في الدولة العربية التي أطلقت ثورات الربيع العربي، بعد أسابيع من وفاة الفنانة صباح التي طالما تندّر العرب على طول عمرها، حتى ماتت وهي في الثامنة والثمانين؟!
لم يمثّل العمر المتقدم سبباً كافياً للعزوف عن التصويت لصالح الباجي قائد السبسي في تونس، في أول انتخابات مباشرة بعد الثورة، يُفترض أن يكون لها مكانتها وتاريخيتها بالنسبة للتونسيين، على الرغم من أن منطق الأمور، كما في حالة صباح، يقتضي أن يُطالب أصحاب مثل هذا العمر المتقدم بالتنحي عن الساحة، في الفن والسياسة والعمل العام والخاص، فيما يكون إصرار مَن وصلوا إليه على مواصلة الانخراط في العمل، مدعاة للانتقاد، والنصيحة، وربما السخرية.
لم يصر السبسي على مواصلة الانخراط في العمل السياسي، وحسب، بل أعاد طرح نفسه فيه من جديد، وتولى أعلى مناصب الدولة، في لحظة تاريخية فارقة، يُفترض أن تؤشر على ثمار الثورة. والمدهش ليس فقط أن ذلك لم يُقابل بانتقاد أو نصائح، أو حتى سخرية التونسيين، بل لاقى قبولهم واستحسانهم، فاحتفوا به رئيساً!
ثمة غرابة في الأمر تتجاوز أن "سي السبسي" ما زال يتمتع بصحة جيدة. هناك آخرون أقل عمراً وأكثر نشاطاً ويتمتعون بصحة أفضل، يمكن أن تفرزهم تونس. فلماذا السبسي العائد من زمن بورقيبة؟! لعلّ الإجابة تكمن في تلك القناعة التي أفرزتها مخاوف ما بعد إطاحة أنظمة الاستبداد، في دول الربيع العربي، من حلول الفوضى محل النظام، حتى وإن كان مستبداً، ومن ثم جنوح الناس إلى استعادة أمان النظام القديم، خصوصاً أن أنظمة الاستبداد لم تكن، كما تبيّن لاحقاً من نتائج الانتخابات، تحكم من دون قاعدة شعبية، يمكن أن توصف بـ"الواسعة" و"الكبيرة".
لا ريب أن ثمة في تونس اعتبارات أخرى خاصة، أهمها الاستعداد المدني للجمهور، خصوصاً في المدن الرئيسية والمفتوحة في شمال تونس وغربها، وهي التي صوتت بكثافة للسبسي، العائد من زمن علمانية بورقيبة، وأحجمت عن التصويت للمناضل الثوري، المنصف المرزوقي، المتحالف مع التيار الديني الإخواني المعادي بطبيعته للعلمانية والحريات العامة، أو هكذا يُظن على أقل تقدير.
لكن ذلك كله لن ينفي أن تونس أعادت تصعيد رجل عائد من زمن الحكم الاستبدادي، بدلاً من رجل خبر سجون الاستبداد، وعاش في المنفى، في أول انتخابات ينخرط فيها الثائرون على الاستبداد. لو توقف الأمر على الانحياز العلماني للجمهور، لكان ممكناً للشمال التونسي أن يفرز وجهاً جديداً، ليس من رموز النظام القديم الذي قامت الثورة ضده، سيكون بالتأكيد أقل عمراً، وأقل تقلّباً في مناصب السيادة خلال زمن الاستبداد: وزارة الداخلية، وزارة الخارجية، وزارة الدفاع، رئاسة مجلس النواب، وهي المواقع التي تولاها السبسي في عهدي الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي.

هكذا، انحاز التونسيون للأمن في ظل رجل خبروه منذ زمن الاستبداد، عوضاً عن المخاطرة والمغامرة وتجريب وجه ثوري قد يفضي حكمه إلى الفوضى، بسبب سوء الإدارة، أو بسبب الصراعات السياسية لو تمكّن التيار الديني من ممارسة تحكّم أكبر بالمشهد، استناداً إلى تجربة "الترويكا" والمرحلة الانتقالية بعد الثورة. هكذا، إذن، يقع العرب بعد ربيعهم أمام خيارين، يظنون أن لا ثالث لهما: الاستبداد أو الفوضى.
هل صحيح أنه لا ثالث لهذين الخيارين؟ أم هي مخاوف لا أساس لها سوى نزوع الإنسان طبيعياً إلى ما عرفه وجربه، في حال بحثه عن الأمان؟ وهل يعني ذلك أن العرب قاموا بثوراتهم بينما لم يكونوا مستعدين نفسياً وثقافياً للتغيير، وما ينطوي عليه من مغامرة وتجديد، فتمنوا، بعد قليل من الثورة، أن يعودوا إلى ما كانوا عليه؟ أما السؤال الأكبر بين هذا كله، فكيف أن أنصار رجل النظام القديم في تونس هم هؤلاء الأكثر انفتاحاً وعلمانية واستعداداً مدنياً في شمال البلاد وغربها؟ كيف تكون الثقافة المدنية سنداً لرجل تطاله صورة الاستبداد؟
على التاريخ أن يجيبنا عن هذا كله، وعليه، أيضاً، أن يقول لنا إن كانت ثورات الربيع العربي ليست سوى ثورات الجوعى على النظام القابض على خيرات البلاد والمستفيدين منه، وأن هؤلاء المستفيدين أعادوا، تالياً، شيئاً من النظام القديم، ليظلوا مستفيدين أبداً، وليس الأمر سعياً إلى الحرية.

تعليقات