خليل العناني
16 ديسمبر
2014
ليس سهلاً، الآن، أن تكون محاضراً "عربيّاً" في الجامعات الغربية. لا
يتعلق الأمر فقط بمسألة الهوية، وما تفرضه من تحيزات أنطولوجية كامنة وبنية
ثقافية وفكرية، يكون الهروب منها أشبه بانسلاخ الروح عن الجسد، وإنما،
أيضاً، بسبب الكم الهائل من الأخبار والتقارير التي يحتاج كل منها شهوراً،
وليس أسابيع، كي يمكن شرح تعقيداتها وتفاصيلها للطلاب. أقوم بالتدريس في
اثنتين من أعرق الجامعات الأميركية، "جورج تاون" و"جونز هوبكنز". أحاضر في
الأولى عن تاريخ الشرق الأوسط الحديث منذ القرن التاسع عشر، وفي الثانية عن
تاريخ مصر منذ محمد علي.
وعلى الرغم من أن كلا الموضوعين في التاريخ، إلا أنه لا تكاد أن تمر
محاضرة في أيٍّ من الجامعتين، إلا ويتم التطرق إلى الوضع الراهن، سواء في
مصر أو المنطقة، خصوصاً في ظل التطورات اليومية المتسارعة التي تزيد الأمور
تعقيداً. يسأل طالب أو طالبة عن "داعش" ومسألة الخلافة، فتتحول المحاضرة
إلى نقاش ساخن، يتم استحضار التاريخ الإسلامي منذ حادثة "السقيفة" وحتى
سقوط السلطنة العثمانية، أوائل القرن الماضي، بحيث يتم "تسكين" موضوعة
الخلافة ضمن السياق التاريخي للمسلمين.
أشرح للطلاب أن "الخلافة" ليست نظاماً لاهوتياً للسلطة، وأن الإسلام لم
يحدد شكلاً معيناً للحكم، أو الدولة، وأن مسألة السلطة من الفروع، وليست من
الأصول، حيث تُرك الأمر للمسلمين، لكي يختاروا ما يوافق وقتهم وزمانهم،
وفق المقولة الخالدة للرسول الكريم "أنتم أعلم بشؤون دنياكم". فيستوقفني
طالب بسؤال عن سر جاذبية مسألة "الخلافة" لكثير من الشباب المسلم، خصوصاً
الذي يعيش في الغرب. هنا، لا يمكن الهروب من طرح سؤال سابق، وهو: لماذا
فشلت الدولة القومية في العالم العربي؟ وما إذا كانت هناك علاقة لهذا الفشل
بصعود "حلم الخلافة" ورومانسيته في أذهان بعضهم؟ هنا، يصبح تفسير "صعود"
حلم الخلافة أمراً لا ينفصل بحال عن "سقوط" مشروع الدولة العربية، وفشلها
الذريع في دمج جماعاتها وطوائفها وأفرادها، بحيث تصبح هي "ملتقى إرادة
الشعب" أو "الإرادة العامة"، بحسب "هيجل"، بحيث تصبح صاحبة الهيمنة
والمحتكر الشرعي والوحيد للعنف. فالدولة ليست مجرد "سوط" أو "سلاح"، وإنما
عقد اجتماعي، تجري صياغته عبر عملية طويلة من الصراع والتفاوض، وأحياناً
القتال، حتى يتم التوصل إلى هذا العقد. أما في المنطقة العربية، فمعظم
دولها "اصطناعية"، بعضها تم رسمه في مؤامرة حيكت بليل، عشية الحرب العالمية
الأولى قبل مائة عام. في حين قام بعضها بطريقة "التغلب"، من خلال فرض
قبيلة أو طائفة أو عائلة لنفسها وإرادتها على الآخرين، بقوة الدين والسلاح،
وأحياناً التجارة.
هنا، تطرح طالبة مسألة النموذج الغربي للدولة، وفق المفهوم "الويستفالي"
الذي تم وضعه قبل أربعة قرون، وما إذا كان على العرب أن يتبعوا النموذج
نفسه أم أن لديهم نموذجاً آخر للسلطة والحكم؟ فيرد آخر أن مسار الحداثة ليس
إجبارياً، أو أن للتاريخ "نهاية" محددة واضحة، كما أخبرنا فرانسيس
فوكوياما قبل عقدين، وإنما هي مسألة تدافع وصراع جدلي بين الرؤي والأفكار
والنماذج.
نعيد قراءة التاريخ بعين نقدية، وعقلٍ منفتحٍ، فتسقط الأساطير وينكشف
المستور من التاريخ، فتتعرى حالة "التجهيل و"التغييب" و"التزييف" التي
مارستها أنظمة ما بعد الاستقلال، تجاه شعوبها وأفرادها وأمتها. فقيام دولة
إسرائيل لم يكن لينجح، لولا تواطؤ بعض الحكام العرب على المسألة الفلسطينية
منذ بداية الصراع، ولما كان لها لتستمر وتزدهر، لولا الاتفاقات والصفقات
السرية التي عقدها بعض هؤلاء مع ساسة وحكام بني صهيون، من أجل الحصول على
مكاسب سياسية واستراتيجية، ولو على حساب أهل الأرض والتاريخ من
الفلسطينيين.
يأخذنا طالب آخر إلى مصر، فيبدو التاريخ كما لو كان مجرد "فقاعة" كبيرة
من الوهم والأساطير، تنفجر مع أول خبر يتم تداوله على الشاشات، أو صفحات
التواصل الاجتماعي. نستعرض تاريخ الوطن، من "الوالي" الأجنبي الذي خلقوا
منه "أسطورة"، جعلته المؤسس الأوحد للدولة المصرية الحديثة، وصولاً إلى
"الجنرال" الحالم، المهووس بذاته، وبقدراته الخارقة على الحفاظ على ما تبقى
من هذه الدولة. وهنا، يبدو الخيط الوحيد الناظم بين الاثنين واحداً، هو:
السيطرة. السيطرة على العقل والفكر والجسد والأرض. حاكم تلو الآخر، وأسرة
تلو الأخرى، ونخبة وراء أختها، ومؤسسة ترث سابقتها، إلى أن وصلت مصر إلى
نقطة "الحسم" في 25 يناير التي حاولت كسر هذه السيطرة، ووقف "توحّش" حكامها
وأسرها ونخبها ومؤسساتها، قبل أن "تنقلب" هذه الأخيرة عليها، وتعيد
الأوضاع إلى ما كانت عليه.
أقول للطلاب إن "التاريخ" يكتبه المنتصرون فقط، وهكذا فعل "الوالي" وكل
رجاله قبل مائتي عام، وهكذا فعل الجنرال الأول، جمال عبد الناصر، قبل خمسين
عاماً، وهكذا يحاول أن يفعل الآن الجنرال الحالي. طبقات فوق طبقات من
"الكذب" و"الأسطرة" و"التزييف"، تمارسها أجهزة الدولة وأدواتها وأذرعها، من
أجل طمس الحقائق، وإعادة كتابة "التاريخ"، وفق مزاج حكامها ورؤيتهم.
تنتهي المحاضرة، وتظل الأسئلة عالقة، يذهب الطلاب إلى منازلهم فرحين
بالدرس، بينما يظل المحاضر غارقاً في همّه، يحاول الإجابة عن هذه الأسئلة،
فليس من يطرح السؤال كمن يعيشه واقعاً أليماً، يتكرر أمامه كل يوم.

تعليقات
إرسال تعليق