غياب اليوميات.. فجوة العلم بتاريخ فلسطين

عدلي صادق
27 سبتمبر 2014
باستثناء الراحل أحمد الشقيري، مؤسس منظمة التحرير الفلسطينية؛ لم يكتب القادة الفلسطينيون شهاداتهم، أو شيئاً من تجاربهم، ولم يسجلوا أحداث أيامهم، ولم يبُح أيٌ منهم بالمسكوت عنه.

وحتى الشقيري لم يدون، ولم ينشر يوميات، وإنما قدم رؤيته العامة للصراع، مستعيناً بوقائع حدثت، ولم يكشف، بالشكل الإغراقي الذي تكشفه المذكرات التفصيلية اليومية، ما يكفي لوضع القارئ العربي في صورة ما جرى في الكواليس، من مواقف صادمةٍ تلامس الفضيحة، تكتم القادة عليها.

وكان محمد عزة عبد الهادي دروزة، الذي غادر الدنيا في 1984 هو الذي كتب أكثر يومياته تفصيلاً، وكان عاش أحداث الصراع في فلسطين، من ألفها إلى يائها، لكن الرجل، رحمه الله، لم يكن صاحب قرار في سياق هذا الصراع، وإن شارك، كقومي عربي، في تأسيس "الجمعية العربية الفتاة" و"حزب الاستقلال العربي"، وكان هو الفلسطيني (وفدت أسرته من عجلون الأردنية إلى نابلس) الذي انتقاه الملك فيصل الأول، لكي يتلو، من على شرفة بلدية دمشق المطلة على ساحة المرجة، بيان استقلال "المملكة السورية العربية" في الثامن من مارس/آذار 1920.

وباعتبار أن حقائق التاريخ التفصيلية أحد الأعمدة المهمة التي تُبنى عليها السياسة؛ فقد قام العلم بالسياسة، عندنا، من دون هذا العمود المهم، واقتصرت معرفتنا التاريخية بالوقائع، على ما حفظته الأرشيفات من الخطابات العلنية البليغة للزعماء العرب والقادة الفلسطينيين مع عواطف كثيرة. ولما نشر القادة الصهيونيون مذكراتهم ويومياتهم، أدهشتنا الوقائع، فأدركنا أن عواطفنا كانت في وادٍ، بينما الحقائق ظلت تتشكل ويتعاطاها الضالعون في وادٍ آخر!

لنأخذ مثالاً على ذلك، مشروع تقسيم بلادنا فلسطين، والذي لم تصدر عنه كلمة واحدة، من الجانب العربي والفلسطيني، تخالف فرضية الرفض العربي المطلق له. بينما الحقيقة أن الجوهر السياسي للموقف العربي في حرب 1948 تركز على محاولات تثبيت حدود التقسيم، ومحاولات الملوك كف المزيد من الأذى الذي يمثله المشروع الصهيوني، كي لا يقضم من الحصة العربية أراضٍ زائدة، وهو الذي حدث بالفعل.

مرحلة الزعيم الشهيد ياسر عرفات الطويلة مرت بدون تدوين لليوميات الكاشفة عن المواقف. وقال لي الصديق نبيل أبو ردينة، إن لديه نحو خمسة آلاف كراس صغير، كان يدوّن فيها محاضر اجتماعات ياسر عرفات مع الزعماء العرب. لكن نبيل ما زال يدوّن صامتاً.

عندما نشر ديفيد بن غوريون "يوميات الحرب 1947 ــ 1948"، تحاشى العرب ترجمتها إلى اللغة العربية. وشُلت يد المؤرخ العربي الذي لم يتوفر على رواية عربية، أو فلسطينية، مضادة.

فلا يوميات للحاج أمين الحسيني، ولا للملك عبد الله، ولا يوميات للملك فاروق، ولا يوميات سعودية سجلت وقائع اضطلاع الملك عبد العزيز بمجريات الصراع، وهكذا كان حال نوري السعيد الذي كان يتصدر المشهد السياسي في مملكة العراق الهاشمية، كون الملك فيصل الثاني لم يكن في 1948 تجاوز سن الثالثة عشرة.

وبالطبع، لم تكن هذه الأطراف العربية جميعها، معنية بتدوين ما جرى في الخلفيات من منافساتٍ وكيدياتٍ وبغضاء فيما بينها. وكان الشريف حسين (1853 ــ 1931) زعيم الأسرة الهاشمية في القرن العشرين، والأسبق حضوراً في المشهد العربي، قد اختزل حال الزعامة العربية، قبل أن يتوغل المشروع الصهيوني في فلسطين، بتعليقٍ مقتضب، مؤداه أن سياسة العرب محكومة بـ "حَسَد الأعداء وكيد الأمراء"، وهذا هو، بالضبط، ما غلب على منحى السياسة العربية، على صعيد ضرورة استجماع الإرادة في حرب عام 1948.

لم يجد المؤرخون الفلسطينيون، في ذلك السياق، ما يستندون إليه لتسجيل الرواية الدقيقة لما حدث. كان هناك مؤرخون، في أثناء الهجمة الصهيونية، وفي سنوات الاستلاب، لكن المادة، أو الوقائع والأدوار التي يعرضها الضالعون فيها، والقائمون بها، من الجانب الفلسطيني؛ لم تكن متاحة. بل مات معظمها مع أصحابها.

وبعد النكبة، عندما كتب مؤرخون لاحقون، استندوا إلى مراجع بريطانية، وإلى كتابات زعماء فلسطينيين، كتبوا ولم يكونوا جزءاً من المداولات أو الكواليس، واستندوا إلى أرشيف الأمم المتحدة، وإلى مواد منشورة في الصحافة، حفظتها الأرشيفات.

وبعض أولئك المؤرخين الذين امتلكوا الحماسة للتدوين والمقدرة على كتابة التاريخ، مثل الراحل البديع إميل توما، لم يجدوا ما يستندون إليه في شرح المواقف، للاستفاضة في تقديم الرواية التاريخية. ومن مفارقات هذه الفجوة في مصادر هذه الرواية وأصولها، أن مواهب المؤرخين الرواد عادت بهم إلى تاريخ الحضارة، وإلى تاريخ المدن، وإلى إضاءات يمكنهم التوفر على مصادرها. وكان هؤلاء قادرين على الاستفادة من يوميات الحاج أمين والملوك العرب، لو أنها دونت ونشرت، ولكان استفادت منها الأجيال، وبنت وعيها السياسي على الحقائق، لا على الأوهام، لكي تحدد مهامها، ولكي تعرف من أين تبدأ رحلة استجماع الإرادة.

أنجبت فلسطين، من القادرين على صياغة الرواية التاريخية العربية، من تعتز الأمة بهم وبمثابرتهم. بعضهم ذهب إلى الماضي الأبعد، وكتب بغزارة (عارف العارف مثلاً)، وبعضهم لم يدع شيئاً في تجربته من دون تدوين (محمد عزة دروزة)، ومنهم من أعيته ندرة المصادر العربية، مثل أحمد خليل العقاد (1916 ــ 1976) وسامي هداوي، الفلسطيني المسيحي الذي عاش مائة عام (1904 ــ 2004) وروز ماري سعيد زحلان (1937 ــ 2006) التي كتبت ما تستطيع، ثم انصرفت إلى الموسيقى والتدريس الجامعي، وطريف الخالدي المؤرخ الذي ولد في 1938 وذهب إلى التدريس في "إكسفورد" وجامعة شيكاغو، وعبد اللطيف الطيباوي (1910 ــ 1981) الذي أرّخ للأطماع البريطانية في المشرق العربي، وكتب تاريخ سورية وعن المستشرقين والتغلغل الثقافي الروسي.

وبين الذين كتبوا بغزارة، وهؤلاء الذين امتلكوا الموهبة، ولم يجدوا الحيثيات واليوميات، أنجبت فلسطين أنيس صايغ وعبد الوهاب الكيالي وإميل توما، وغيرهم ممن توفروا على كتابة تاريخ فلسطين المعاصر، استناداً إلى المصادر المتاحة.

ومن باب واجب ذكر الفضل لأهله، نجزم أن مجموعة المؤرخين الإسرائيليين الجدد، الذين فنّدوا الرواية الصهيونية الرسمية أسدوا خدمة جليلة للمؤرخ العربي، وفتحوا أمامه آفاقاً واسعة، منها ما يكشف المستور عن واقع الاتصالات العربية مع قادة المشروع الصهيوني!

تعليقات